ابن الجوزي
246
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
ثم إنه نزل من على المنبر وانهزم أهل العراق لا يلوون على شيء ، ومضى عبد الرحمن في أناس من أهل بيته إلى منزله ، فخرجت إليه ابنته فالتزمها ، وخرج أهله يبكون ، فأوصاهم بوصية ، / وقال : لا تبكوا ، فكم عسيت أن أبقى معكم ، وإن الَّذي يرزقكم حيّ ، ثم ودعهم وخرج من الكوفة ، فقال الحجاج : لا تتبعوهم ، ومن رجع فهو آمن . وجاء الحجاج إلى الكوفة فدخلها ، فجاء الناس إليه ، فكان لا يبايعه أحد إلا قال : أتشهد أنك كفرت ، فإذا قال نعم بايعه وإلا قتله ، فجاء رجل من خثعم فقال له : أتشهد أنك كافر ؟ فقال : بئس الرجل أنا إن كنت عبدت الله عز وجل ثمانين سنة ثم أشهد على نفسي بالكفر ، قال : إذا أقتلك ، قال : وإن قتلتني فوالله ما بقي من عمري ظمء حمار [ 1 ] ، وإني لأنتظر الموت صباحا ومساء ، فقال : اضربوا عنقه ، فضربت عنقه . ودعا بكميل بن زياد فقتله ، وأتي برجل فقال الحجاج : إني أرى رجلا ما أظنه يشهد على نفسه بالكفر ، فقال : أخادعي أنت عن نفسي ، أنا أكفر أهل الأرض ، وأكفر من فرعون ذي الأوتاد ، فضحك الحجاج وخلى سبيله . وأقام الحجاج بالكوفة شهرا . وفي هذه السنة كانت الوقعة بمسكن بين الحجاج وابن الأشعث بعد ما انهزم من دير الجماجم [ 2 ] وكان السبب أن محمد بن سعد بن أبي وقاص خرج بعد وقعة الجماجم حتى نزل المدائن ، واجتمع إليه ناس كثير ، وخرج عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد حتى قدم البصرة وهو بها ، فاجتمع الناس إلى عبد الرحمن ، فأقبل عبيد الله إليه وقال : إنما أخذتها لك . وخرج الحجاج قبل المدائن [ 3 ] ، فأقام بها خمسا حتى هيأ الرجال في المعابر ، وخندق ابن الأشعث وأقبل نحو الحجاج والتقوا ، فاقتتلوا فانهزم أهل العراق ، وقتل أبو
--> [ 1 ] في الأصل : « عظمي حمار » . في ت : « كظميء حمار » وما أوردناه من تاريخ الطبري . [ 2 ] تاريخ الطبري 6 / 366 . [ 3 ] كذا في الأصول ، وفي الطبري « فبدأ المدائن » .